تنوعت أساليب التواصل البشري عبر التاريخ، والتي تطورت مع الارتقاء الحضاري في بلاد مابين النهرين مثل المسمارية وفي أرض النيل مثل الهيروغليفية، الى استخدام الرموز والنقوش كطرق متطورة في كتابة الأحداث ومتطلبات التجارة وغيرها، إلا أنها كانت تمثل رموزا وصورة بحد ذاتها.
أو ما يسمى ” الكتابة التصويرية”.
لتبديد الضباب الذي يحيط بنا حول الحرف العربي لا بد من العودة للماضي.
سنقسم تاريخ الحرف العربي الى اربعة اقسام على مسطرة الزمن، وذلك بناءا على الاحداث في تلك الفترات
الالفية الثالثة قبل الميلاد – الالفية الاولى قبل الميلاد
ابتكار الأبجدية – الابجدية الكنعانية – نقوش سرابيط الخادم في سيناء مصر
– الحرف المنفصل
عرفت الأبجدية الكنعانية، وتسمى بأم الأبجديات العالمية، من خلال نقوش العمال الكنعانيين الذين انتقلوا من وسط وشمال فلسطين، للعمل في مناجم سرابيط الخادم في سيناء مصر، وهي معسكرات للتعدين المصرية ومعبد للآلهة حتحور، حيث حفر العمال الكنعانيون حروفهم الى جانب رسوم هيروغليفية مصرية أخرى. وقد وجدت اثار لمثل هذه النقوش في ارض فلسطين أيضا.
مثلت تلك المرحلة نقطة تحول للبشرية باعتماد مفهوم الابجدية الجديدة، والتي تختصر بوجود رسم رمزي للحرف، واستقلال الحرف على الرسم الرمزي كراس القطة مثلا والكلمة أيضا، وبالتالي أصبح من الممكن ان تكتب اي كلمة من خلال صف الحروف المكونة لها.
كان لهذا الأمر أثر كبير على ما بعده، فقد تبني الفينيقيون الحرف الكنعاني وطوره بما يناسبهم، ونقلوه الى اوروبا من خلال تجارتهم الرائجة من موانئ لبنان، أخذ اليونانيون الابجدية الفينيقية وطوروها للحرف اللاتيني لاحقا وسحروا بالكتابة، وشنو حروبا واحتلوا جزء من مصر من أجل السيطرة على تجارة الورق، والذين كانوا هم المستهلك الأكبر في تاريخ فترته.
كان الحرف المنفصل هو الشكل الوحيد المتعارف عليه للكتابة الحديثة.
الالفية الاولى قبل الميلاد – الالفية الاولى بعد الميلاد
الابجدية العربية النبطية – الحرف المنفصل والحرف المتصل
بعد فترة الفنيقيين ورثت الآرامية في سوريا الحرف الفينيقي وطورت عليه ليكون الحرف الآرامي المسيطر على زمنه، قبل ألف سنة من ميلاد عيسى عليه السلام، وقد انتقلت هذه اللغة وانتشرت في الكثير من الأماكن والبلدان وانتقلت إلى بلاد ما بين النهرين وبلاد عيلام وفارس الذين اعتمدوا الآرامية ايضا.
وقد تكلم بها نبي الله عيسى باللغة الارامية الجليلية – نسبة الى منطقة الجليل،
بدأت اللغة الارامية بالتطور والتحور الى السريانية في القرن الرابع للميلاد في أرض سوريا ايضا، وبالتالي الابجدية السريانية التي كانت تكتب بنظام الحروف المتصلة.
بدأ الأنباط مملكتهم في النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد ٥٠٠قبل الميلاد إلى عام ١٠٦ ميلادية ،وكانوا يتقنون أكثر من لغة، اللاتينية والارامية من أجل التجارة والسياسة، والعربية في مجالسهم الخاصة وفي بيوتهم، وكانوا ينقشون على قبورهم الصخرية الفاخرة في وادي موسى – البتراء في الأردن وبصرى الشام و سهول حوران جنوب سوريا، ومدائن صالح – الحجر شمال غرب السعودية وجنوب فلسطين باللغة العربية والحرف العربي، وكان ذلك من أجل الحفاظ على لغتهم وحرفهم العربي من سطوة المستعمر القوي. وقد حفظوا لنا ذلك.
وتنتشر عملات الأنباط في أسواق العملات التراثية اليوم وعليها كتابات عربية في مواقع التجارة الالكترونية وال، ebay.
يعتبر خبراء اللغة الغربيين أن اللغة العربية لغة جديدة، نشأت في بداية القرن الميلادي الأول من اللغة الآرامية والحرف العربي انبثق من الحرف الارامي كذلك، بناء على ادلة واهية، والهدف منها تقزيم اللغة العربية، المرجع الأعظم اليوم للغات العالم السامية القديمة، والذي يحتوي على أكثر من ١٢ مليون مفردة لغوية غير مكررة.
وفي التحقيق التي أنتجته في سلسلة البتراء الوثائقية الكبرى، قمت باثبات ان الابجدية العربية النبطية هي اقرب الابجديات الى الكنعانية و الوريث الحقيقي لابجدية أحفاد كنعان بن نوح عليه السلام، حيث قارنت كل حرف كنعاني مع قرينة النبطي وشرحت التشابه والتطابق الكبير بينهما، وأوضحت أسباب ذلك. و بطلان ادعاء انبثاق اللغة العربية من الارامية. بل أن الارامية هي لغة عروبية و جزء مكون من مكونات نسيج اللغة العربية.
هناك من يدعي أن خط المسند هو أصل الحرف العربي الحالي، وهو ادعاء خاطئ ، فلا صلة أو علاقة هندسية تربط بين الأحرف العربية الحالية وخط المسند، والفرق بينهما كبير جدا. وانا واحد من المعجبين جدا بهندسة الابجدية المسندية القديمة، ١٠٠٠ عام قبل الميلاد، انها ذكية ومتوازنة ومتناسقة ورائعة، تمتاز بحروف كثيرة لا تشبه الأبجديات الأخرى ،. الحق يقال.
كان الأنباط يعتمدون أسلوبان بالكتابة
الحرف المنفصل والحرف المتصل
أسلوب الحرف المنفصل ويسمى الخط التذكاري، ويستخدم على نقوش القبور، يعتمد كتابة الكلمات بحروف منفصلة عن بعضها وغير ملتصقة مثل الكتابة الانجليزية
وأسلوب الحرف المتصل ويسمى الخط الموصول، يعتمد كتابة الكلمات بحروف متصلة مع بعضها، مثل الكتابة السريانية قديما والعربية اليوم.
بعد ولادة نبي الاسلام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وانتشار الإسلام ووصوله إلى بلاد الشام.
بدء التحول الى اللغة العربية واعتبارها اللغة الرسمية في بلاد الشام زمن الأمويين
حيث أصبحت اللغة العربية اللغة الرسمية للدولة. عندما اتخذ الخليفة عبد الملك بن مروان قرارًا بتعريب الدواوين وسك النقود العربية، مما مثل تحولًا هامًا في استخدام اللغة العربية وتأكيدًا لهويتها. وبالتالي سيادة الحرف العربي المبني على الحرف النبطي في نقوش البتراء ومدائن صالح والنقب وام الجمال.
استقلت البلاد عن الأثر الأجنبي، و كونت كيانًا موحدًا
الالفية الثالثة – الأبجدية العربية الحديثة
الحرف المستقل – الحرف المنفصل
في بداية الالفية الثالثة ومع الثورة التكنولوجية الرقمية، أصبحت الكتابة بالحروف المنفصلة هي السائدة بلا منازع للعديد من الابجديات العالمية الاخرى
، وادت الكتابة بالحروف المنفصلة الى سهولة قراءتها وتعلمها وتبنيها، من جميع الأمم على الأرض من اليابان الى كوريا والصين والهند والشرق الاوسط واوروبا …،
وأصبحت اللغة الانجليزية هي اللغة الأولى في العالم نطقا وطلبا في التعلم. تليها الصينية والاسبانية والعربية.
حتى الان مازالت كتابة الحرف العربي المتصل هي الطريقة القديمة المستخدمة في الكتابة، في الوقت الذي هجرتها معظم الأمم وتحولت إلى الحرف المنفصل
مما ترك اثر في صعوبة تبني كتابة المعادلات الرياضية و معادلات الفيزياء والكيمياء المختلفة ومشاكل الترميز ولغات البرمجة وصولا الى خوارزميات البحث والذكاء الصناعي وغيرها الكثير، ولا شك عندي بأن هندسة الحرف العربي والالتزام بطريقة الكتابة القديمة (الحرف المتصل) هي من أسباب ذلك.
وستبقى عائقا كبيرا حتى نتحول الى طريقة الكتابة بالحرف المنفصل.
لذلك أجزم بالقول ان ” هندسة الحرف العربي الحالي عبء على اللغة العربية”
وسأثبت لكم ذلك. ان شاء الله
