من الأمور التي كرهت ذكرها في هذا العمل، هي نقد الحرف العربي الذي نشأت على حبه، فقد تعلمت الخط لوحدي منذ الصفوف الابتدائية، وكنت اكتب الحروف و اجيد مسك القلم او الطبشور بزواياه الصحيحة منذ الصف الرابع الابتدائي، وقد عشقت كراسة الخطاط هاشم البغدادي رحمه الله، وكبرت على هذا الحال، وجدت لاحقا في مجال التصميم الجرافيكي جمود الحرف العربي، وصعوبة التعامل معه مقارنة بالحرف الإنجليزي المنفصل، و كمخرج فني وجدت سوء اختيار وسوء استخدام كثير من المصممين العرب للخطوط الطباعية العربية وهم لم يتعلموا الخط العربي من قبل.
وفي عام ٢٠١٢ قمت بكتابة بحث اسميته دليل استخدام الخط العربي في الحاسوب.
وكما ذكرت سابقا، وفي أثناء عملي على سلسلة افلام البتراء والتعمق أكثر في نقوش الأنباط العرب والتعرف على حروفهم، قمت بدراسة بعض الأبجديات العالمية القديمة الأخرى، وتوصلت الى نتائج صادمة في ذلك، من خلال المقارنات الابجدية القديمة والحديثة، التي أكدت لي قصور هندسة الحرف العربي وتأخره.
حاولت انكار او تجاهل ذلك، الا ان هذا الانكار يطعن في امانتي وحبي للقران الكريم واللغة العربية،
والأولى مواجهة ذلك بكل شجاعة وشفافية.
لا أشعر بالفخر أو الاستمتاع في كشف عيوب حرفنا، وهو نقد قاس على نفسي اولا، الا انه نقد واقعي علمي وهادف.
قال تعالى في سورة يونس “إن الظن لا يغني من الحق شيئًا” سورة يونس ٣٦
إن ما نسعى إليه هو تصحيح بوصلة الحرف العربي
ولم أجرؤ على نقد الحرف العربي الا بعد ان اوجدت نظاما متكاملا يحل تلك المشاكل في نظام بسيط ومكتمل.
قبل البدء بنقد هندسة الحرف العربي الحالي ، أقدم تحية احترام واجلال للخطاطين العرب والمسلمين ، مثل ابن البواب وياقوت المستعصمي وابن مقلة وصولا الى خطاطي الدولة العثمانية مثل سامي افندي و محمد شوقي والخطاط العراقي هاشم البغدادي رحمهم الله جميعا وغيرهم الكثير.
غير أن تحفظي عليهم، كان اتقانهم لما هو مألوف، كما أن اضافاتهم كانت مبنية على ميول وزوايا الاقلام حسب زمنهم، ضمن الشكل العضوي التقليدي نفسه، وضمن إطار ضيق جدا وهو في الحقيقة ليس جوهريا، وآثارهم موجودة ويمكن مقارنتها و ملاحظتها بالعين المجردة. والمقياس عندهم هو الجمال، حتى وإن استغرق كتابة جملة اسبوعا كاملا او شهرا، وبهذا كان المعيار جماليا فقط. وهذا ما أضاع البوصلة.
ومثال ذلك، إذا اخترنا مجموعة من الف شخص يجيد القراءة والكتابة واخضعناهم لدورة تعليم خط الثلث او خط النسخ العثماني، لمدة ستة أشهر، فقد ينجح منهم خمسة اشخاص بتقدير متوسط او جيد في احسن الحالات،، وليس ممتازا ، ليكملوا المراحل التالية ، لان الامر يحتاج الى سنين طويلة وليس أشهر قليلة…انا لا ابالغ هنا… تخيلوا صعوبة ذلك!
وفي الوقت الذي نفترض أنه يخط خطا من اسمه الطبيعي، إلا أنه ليس كذلك… انه يرسم رسما فسماكات القلم مختلفة فيه، وهذا ما يقوله الخطاطين أنفسهم، ابحث عن فيديوهات الخطاط المرحوم عباس البغدادي وستتاكد من ذلك.
كما ان الخطاطين العرب لم يعيدوا النظر في القواعد الأساسية لهندسة، الحروف وحلول مشاكل التراكيب في الخط الموصول. بل على العكس تم اضافة مقاطع كبيرة واشكال متعددة مدورة الى الكثير من الحروف ، والتي إن كانت بنظرهم جمالية، إلا أنها من وجهة نظري تعارضت مع مبدأ الوضوح و البساطة والسهولة وهي المبادئ الأهم، لضمان لدور الحرف الوظيفي.
ولم يكن ضمن اهتمامهم ازالة المقاطع الزائدة والحرص على تبسيط الكتابة و سهولة القراءة والفهم.
ولم يكن هناك أي تبني للتوجه بالعودة الى الخط المنفصل ذو الحروف المنفصلة الذي كان موجودا الى جانب الخط المتصل عند العرب الأنباط قبل أكثر من ألفي عام. والذي فيه حلول لكثير من المشاكل التي ورثناها إلى اليوم.
تذهب الروايات إلى أن اللحن في قراءة القرآن الكريم، انتشر بانتشار الإسلام ودخول الأعاجم في الدين الجديد، فقام زياد بن أبيه بطلب حل هذه المشكلة من أبي الأسود الدؤلي (16 ق.هـ/69 هـ)، فقام الأخير بنقط المصحف “إضافة الضمة والكسرة والفتحة والتنوين “ إلى أواخر الكلمات،
ثم قام نصر بن عاصم الليثي الكناني، (89 هـ = 708 م ) ويحيى بن يعمر بإعجام الكلمات، الإعجام هو وضع النقاط على الحروف العربية لتمييز الحروف المتشابهة في الشكل، وأول من وضع النقاط على الحروف هو نصر بن عاصم، ثم تابع الخليل بن أحمد الفراهيدي بوضع الشكل النهائي لتشكيل المصحف.
أي أن من وضع التنقيط والتشكيل للحرف، هو مختص باللغة وليس مختصا بالخط وهندسة رسم الحرف، وهناك فارق كبير في ذلك، فلكل منهما طريقة تفكير وادوات مختلفة، كما ان التنقيط والتشكيل وضعا بطريقة صُدفية و تراكمية بالوقت نفسه، نتيجة الحاجة الطارئة، لكنها زادت من تزاحم تراكيب عناصر السطر مع بعضها البعض.
كما انها لم تنظر إلى الامر كحالة كلية متكاملة أو تعيد النظر بطريقة شاملة للحرف العربي.
